وُلدت رابعة العدوية (رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية) حوالي سنة 713م في البصرة (العراق حاليًا)، في زمن كانت فيه الحضارة الإسلامية تتوسع بسرعة، وأصبح البحث الروحي جزءًا أساسيًا من حياة المؤمنين. كانت الطفلة الرابعة لعائلة فقيرة ومتدينة، ولهذا سُمّيت رابعة أي «الرابعة».

بعد وفاة والديها، وقعت رابعة في الرقّ وهي طفلة صغيرة. وخلال تلك الفترة بدأت تظهر عليها علامات التميز الروحي، إذ يُروى أن سيّدها رآها ذات ليلة تصلي محاطة بالنور، فحرّرها. ومنذ تلك اللحظة كرّست حياتها كلها لعبادة الله وحده.

لم تؤسس رابعة مدرسة دينية ولم يكن لها تلاميذ بالمعنى التقليدي، ومع ذلك كان العلماء والزهّاد من مختلف الأمصار يزورونها طلبًا للحكمة. ومن بين من احترموها كثيرًا: الحسن البصري (ت 728م)، سفيان الثوري (ت 778م)، ومالك بن دينار (ت 748م). وقد قال أحد معاصريها عنها: «فاقت الرجال في زمانها كما يفوق النهارُ الليلَ».

كانت رسالتها بسيطة لكنها عميقة: يجب أن يكون الحب لله خالصًا لا يرتبط بجزاء ولا بعقاب. قالت في إحدى أشهر دعواتها:
«إلهي، إن كنت أعبدك خوفًا من نارك فاحرقني فيها، وإن كنت أعبدك طمعًا في جنتك فاحرمني منها، وإن كنت أعبدك لذاتك فلا تحرمني من جمال وجهك الأبدي.»

وقد رُويت عنها حكايات كثيرة. من أشهرها أنها كانت تمشي في شوارع البصرة تحمل في يدها شعلة وفي الأخرى دلوًا من الماء. وحين سُئلت عن سبب ذلك قالت: «أريد أن أحرق الجنة وأطفئ النار، حتى يحب الناس الله لا طمعًا ولا خوفًا، بل حبًا له وحده.»

توفيت رابعة حوالي سنة 801م ودُفنت في البصرة، رغم أن بعض الروايات تشير إلى القدس. وقد ذُكرت سيرتها في كتب التراث الكبرى مثل «الرسالة القشيرية» لأبي القاسم القشيري و«تذكرة الأولياء» لفريد الدين العطار.

ورغم أنها لم تعش طويلًا ولم تتولَ منصبًا دينيًا رسميًا، فإن صوتها لم يختفِ. كان صوت امرأة أحبّت الله لا لما يمكن أن يمنحها، بل لما هو عليه. وهذه المحبة الصافية هي ما جعلها واحدة من أعظم الشخصيات الروحية في التراث الإسلامي