د. أسامة الديري {خطبة الجمعة 2021/11/19}

 أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:

مَا زَالَ حَدِيثُنَا عَنِ الْأَسْبَابِ الْمَعْنَوِيَّةِ، التِي تَرْفَعُ الْبَلَاءَ عَنِ الْبَشَرِيَّةِ، لِأنَّ الْإِنْسَانَ الْمُسْلِمَ – كَمَا قُلْنَا – عِنْدَمَا يَنْزِلُ بِهِ الْبَلَاءُ يَأْخُذُ بِجَمِيعِ الْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ لِدَفْعِهِ، عَمَلًا بِقَوْلِ اللَّـهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ… ثُمَّ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّـهِ وَيَنْطَرِحُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَأَنَ الْأَسْبَابَ الْمَادِّيَّةِ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وَسَيَكُونُ عُنْوَانُ خُطْبَةِ الْيَوْمِ – بِحَوْلِ اللَّـهِ تَعَالَى – هُوَ: عِبَادَةُ قَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ، وَأَثَرُهَا فِي دَفْعِ الْبَاسِ، وَسَيَنْتَظِمُ كَلَاُمُنَا حَوْلَ هَذَا الْعِنْوَانِ فِي ثَلَاثَةِ عَنَاصِرَ:الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: مَفْهُومُهَا وَفَضْلُهَا، فَعِبَادَةُ قَضَاءِ الْحَوَائِجِ هِيَ: مُوَاسَاةُ النَّاسِ، وَجَبْرُ خَوَاطِرِهِمْ، وَقَضَاءُ أَغْرَاضِهِمْ، وَمُسَاعَدَتُهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِالْأَشْيَاءِ التِي تَحْتَاجُ إِلَى جُهْدٍ وَوَقْتٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِهِمْ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَدٍّ عَلَى حُقُوقِ أَحَدٍ مِنَ الْعِبَادِ. وَهِيَ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ، يَقُولُ اللَّـهُ تَعَالَى: مَّنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا. يَعْنِي: أَنَّ مَنْ يَسْعَ لِحُصُولِ غَيْرِهِ عَلَى الْخَيْرِ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الثَّوَابِ بِحَسَبِ سَعْيِهِ وَنَفْعِهِ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّـهِ ﷺ قَالَ: مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبةً منْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ… وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّـهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ، وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا – يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ -… وَرَوَى الْإِمَامُ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَبْدِ اللَّـهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ ﷺ قَالَ: إِنَّ لِلهِ – عَزَّ وَجَلَّ – خَلْقَاً خَلَقَهُمْ لِحَوَائِجِ النَّاسِ, يَفْزَعُ النَّاسُ إِلَيْهِمْ فِي حَوَائِجِهِمْ, أُولَئِكَ الآمِنُونَ مِنْ عَذَابِ اللهِ.الْعُنْصُرُ الثَّانِي: أَثَرُهَا فِي دَفْعِ الْبَأْسِ، فَعِبَادَةُ قَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ مَنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ التِي يَرْفَعُ اللَّـهُ بِهَا الْبَلَاءَ، فَهِيَ سَبَبٌ لِلْأَمَانِ بَعْدَ الْخَوْفِ، وَالْغِنَى بَعْدَ الْفَقْرِ، وَالشِّفَاءِ بَعْدَ الْمَرَضِ، وَالْيُسْرِ بَعْدَ الْعُسْرِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ أَوَّلَ مَرَّةٍ رَجَعَ إِلَى خَدِيجَةَ خَائِفًا فَقَالَ لَهَا: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهَا: كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. تَعْنِي: أَنَّهُ قَدْ جَرَتْ عَادَةُ اللَّـهِ بِفَضْلِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ يَتَوَلَّى قَضَاءَ حَوَائِجِ النَّاسِ يَتَوَلَّى اللَّـهُ تَعَالَى قَضَاءَ حَوَائِجِهِ… وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَبْد اللَّـه بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّـهِ ﷺ قَالَ: …مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ… وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّـهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ ﷺ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ وَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ. وَلِذَلِكُمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمَا: صَاحِبُ الْمَعْرُوفِ لَا يَقَعُ، فَإِنْ وَقَعَ وَجَدَ مُتَّكَئاً. وَجَاءَ فِي الْأَثَرِ: مَنْ سَارَ بَيْنَ النَّاسِ جَابِرًا لِلْخَوَاطِرِ، أَدْرَكَتْهُ عِنايَةُ اللَّهِ فِي جَوْفِ الْمَخَاطِرِ.
الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: مِنْ مَوَاقِفِ السَّلَفِ فِي قَضَاءِ الْحَوَائِجِ، فَقَدْ كَانَتْ عِبَادَةُ قَضَاءِ الْحَوَائِجِ سِمَةً بَارِزَةً فِي شَخْصِيَّةِ رَسُولِ اللَّـهِ ﷺ، رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا وَاللهِ قَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، فكَانَ يَعُودُ مَرْضَانَا، وَيَتْبَعُ جَنَائِزَنَا، وَيَغْزُو مَعَنَا، وَيُوَاسِينَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. وَكَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ يَسِيرُونَ عَلَى مَنْهَجِهِ ﷺ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ، وَالسَّعْيِ فِي مَصَالِحِهِمْ، وَجَبْرِ خَوَاطِرِهِمْ، فَضَرَبُوا لَنَا فِي ذَلِكَ أَرْوَعَ الْأَمْثَالِ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: طَافَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِالْمَدِينَةِ لَيْلَةً وَأَهْلُهَا نَائِمُونَ، فَإِذَا هُوَ بِامْرَأَةٍ فِي جَوْفِ دَارِهَا، وَحَوْلَهَا صِبْيَانٌ يَبْكُونَ، وَإِذَا قِدْرٌ يَغْلِي عَلَى النَّارِ، فَدَنَا عُمَرُ مِنَ الْبَابِ فَقَالَ لَهَا: يَا أَمَةَ اللهِ! مَا سَبَبُ بُكَاءِ هَؤُلَاءِ الصِّبْيَانِ؟ قَالَتْ: بِسَبَبِ شِدَّةِ الْجُوعِ. قَالَ: فَمَا هَذِهِ الْقِدْرُ التِي عَلَى النَّارِ؟ قَالَتْ: جَعَلْتُ فِيهَا مَاءً أُعَلِّلُهُمْ بِهِ حَتَّى يَنَامُوا، فَبَكَى عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَاهَا بِكِيسٍ مُمْتَلِئٍ بِالطَّعَامِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، وَأَخَذَ الْقِدْرَ فَوَضَعَ فِيهِ الطَّعَامَ، وَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ بِيَدِهِ، وَيَنْفُخُ فِي النَّارِ، حَتَّى طَبَخَ لَهُمْ، ثُمَّ جَعَلَ يَغْرِفُ بِيَدِهِ وَيُطْعِمُهُمْ حَتَّى شَبِعُوا وَلَعِبُوا وَضَحِكُوا. فَمَا أَحْوَجَنَا إلَى تَنْزِيلِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ فِي وَاقِعِنَا، لَعَلَّ اللَّـهَ تَعَالَى يَجْعَلُ لَنَا بَعْدَ هَذَا الْعُسْرِ يُسْرًا، وَبَعْدَ هَذَا الْكَرْبِ فَرَجًا، وَمِنْ هَذَا الضَّيْقِ مَخْرَجًا…
نَفَعَنِي اللَّـهُ وَإِيَّاكُمْ بِكِتَابِهِ المُبينِ، وَبِسُنَّةِ نَبيِّهِ الْمُصْطَفى الكَرِيمِ، سَيِّدِ الأَوَّلينَ والْآخِرينَ، وأَجَارَني وَإِيَّاكُمْ مِنْ عَذابِـهِ المُهِينِ، وَغَفَرِ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ، وَجَعَلَني وَإِيَّاكُمْ مِنَ الذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ آمِينَ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ العَالَمينَ..