د. اسامة الديري {خطبة الجمعة 2021/11/5}

 في ليلة عظيمة مباركة في غار حراء الذي حلّت بأركانه الرحمة والسكينة، يتنزل جبريل عليه السلام بنور الهداية، في أعظم الليالي عند الله تعالى، وعلى أعظم إنسان في الوجود، ليزف للنبي صلى الله عليه وسلم أعظم البشارات، وهي  قول الله تعالى (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) ، تلك كانت أولى حروف أمة انطلقت لتفتح الآفاق شرقاً وغرباً، وتُخرج الناس من الظُلمات إلى النور، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

توجه النبي صلى الله عليه وسلم من غار حراء إلى أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، تلك المرأة الطاهرة العفيفة، التي علم أنها ستكون له خير عون وسند، كما كان هو لها خير زوج، وقد تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، بعدما رأت من أمانته وبركته وحفظه لأموالها حين تاجر بها إلى الشام، فألقى الله تعالى محبته في قلبها، وتم الزواج السعيد بتدبير وتقدير من الله تعالى ليكون كلٌّ منهما عوناً للآخر، فالزوج هو ما يعدُّه الله تعالى لأن يكون النبي الخاتم، والزوجة هي التي ستسانده وتساعده بحبها وحنانها، وعطفها، من جهة، وتشد أزره بقوتها ومالها من جهة أخرى، لذلك تنزلت الآيات بعد ذلك تؤكد نعمة الله على نبيه صلى الله عليه وسلم (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى)

ويتجلى ذلك في أول لحظات البعثة حين نزل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرها وقصّ عليها ما كان معه في الغار بعد أن هدأ رُوعه، فما كان منها إلا إجابة الواثق، فهي التي خبرت أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وعلمت ما فيه من صدق وعفاف، وما فيه من حسن الأخلاق، فقالت له: “أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لاَ يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ”.

بعد نزول (اقرأ) كانت خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها هي أول من أسلمَ بالإجماع، وبذلك حققت معنى الزوجية بإيمانها مع زوجها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وقد أخبر أمينُ السماء جبريل عليه السلام أمينَ الأرض سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم .بالسلام عليها من ربها، وبشرها ببيت في الجنة من قَصَب لا صخب فيه ولا نصب تكريماً لها. ولقوة إيمانها، وثباتها على الحق المبين.

  وبعد تتابع نزول الوحي صارت خديجة رضي الله عنها هي المعلمة الأولى في الوجود تقف مع المعلم الأول للبشرية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، تشد من أزره، وتقف معه مادياً ومعنوياً،

فخديجة أم المؤمنين رضي الله عنها هي التي أنجب منها النبي صلى الله عليه وسلم بناته الأربع ( زينب، وأم كلثوم، وفاطمة ورقية) رضي الله عنهن، وابنه القاسم الذي يكنى به صلى الله عليه وسلم، فخديجة رضي الله عنها هي الجدة الكبرى للحسن والحسين رضي الله عنهما،  لأنهم من نسل فاطمة الزهراء رضي الله عنها؛ فهي من أهل البيت، والنسب الشريف .

  لقد نالت خديجة رضي الله عنها ومريم بنت عمران عليها السلام  مرتبة الخيرية فهي خير النساء بين السماء والأرض، قال صلى الله عليه وسلم:  ( خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد) ، فحريٌّ بالنساء  في هذا العصر أن يجعلن أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها الأسوة الحسنة، والقدوة الطيبة لتحقيق الريادة التربوية، وبناء منظومة قيم الأسرة الصالحة، والأخلاق الحميدة.

، وعلى مسار دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكانت رضي الله تعالى عنها أوّل من آمن به من البشر، فبدأ عماد هذا الدين العظيم من بيت مبارك قوامه نبيٌّ مُرسل، وزوجة تسانده على أداء هذه الأمانة العظيمة، .

وجزاءً لمواقفها العظيمة فقد لاقت  أم المؤمنين من رسول الله صلى الله عليه وسلم حباً ووفاءً في حياتها وبعد وفاتها، فكان صلى الله عليه وسلم يقول: ” مَا أَبْدَلَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي، بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ “

وكذلك فإن كلّ زوجة صالحة مع زوجها، وكلُّ أمٍّ حانية على ولدها، وكل امرأة مُصلحة في مجتمعها، هي ذخيرة حية تنتصر بها القيم والأخلاق الصالحة في المجتمع، وهي كنز قيم لا يعوض بثمن..